حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
96
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
التاسعة : أول ما بلغ الروح إلى سرة آدم عطس فقال : « الحمد للّه رب العالمين » وآخر دعوى أهل الجنة « الحمد للّه رب العالمين » . ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد ، فاجتهد أن يكون أول أعمالك وآخرك مقرونا بكلمة الحمد . العاشرة : لا يحسن عندنا أن يقدّر قولوا : « الحمد للّه » لأن الإضمار خلاف القياس ، ولأن الوالد إذا قال لولده : أعمل كذا وكذا فلم يمتثل كان عاقا ، فالأولى أن يقول الأمر الفلاني ينبغي أن يفعل . ثم إن كان الولد بارا فإنه يجيبه ويطيعه وإن كان عاقا كان إثمه أقل ، فكذلك إذا قال : الحمد للّه فمن كان مطيعا حمده ومن كان عاصيا كان إثمه أقل ، بخلاف ما لو قدر « قولوا الحمد للّه » . الحادية عشرة : شنعت الجبرية على المعتزلة ومن يجري مجراهم بأنكم تثبتون للعبد فعلا واختيارا ، واستحقاق الحمد إنما يكون على أشرف النعم وهو الإيمان ، فلو كان الإيمان بفعل العبد لكان المستحق للحمد هو العبد . والجواب أن الإيمان باختيار العبد لكن الاختيار أيضا مستند إلى اللّه تعالى فاستحق الحمد لذلك . وشنعت المعتزلة على الجبرية بأن قوله « الحمد للّه » لا يتم إلا على مذهبنا لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبح في فعله ولا جور في قضيته ، وعندكم لا قبح إلا وهو فعله ، ولا جور إلا وهو حكمه . والجواب أن القبح والجور إنما يثبتان لو أمكن تصور الفعل المخصوص في القابل المخصوص أحسن وأتم مما صدر لكنه محال ، فإنه تعالى حكيم وكل ما يصدر عن الحكيم كان على أفضل ما يمكن بالنسبة إلى المحل المخصوص . الثانية عشرة : اختلفوا في أن شكر المنعم واجب عقلا أو شرعا . فمنهم من قال عقلا ومن جملة أدلتهم قوله « الحمد للّه » فإنه يدل على ثبوت الاستحقاق على الإطلاق . وأيضا عقبه بقوله « رب العالمين » وترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، فدل ذلك على أن استحقاقه للحمد ثابت بكونه ربا للعالمين قبل مجيء الشرع وبعده . والجواب أن استحقاقه لمثل هذا الحمد عرفناه من قبل الشرع . واعلم أن الحمد سبيله سبيل سائر الأذكار والعبادات في أنها إنما يؤتى بها لا لأن اللّه تعالى مستكمل بها ولا لأنه تعالى مجازي بها ، ولكنها لتحقيق نسبة العبودية وإضافة الإمكان اللّه حسبي الخامس في فوائد قوله رب العالمين . الأولى : الموجود إما واجب لذاته وهو اللّه سبحانه وتعالى فقط ، وإما ممكن لذاته وهو كل ما سواه ويسمى العالم كما مر ، وذلك إما متحيز أو صفة للمتحيز أو لا هذا ولا ذاك .